رسالة إلى كل امرأة أنهكها حمل الجميع
هناك سؤال لا أطرحه في بداية الجلسة، بل أؤجلُه حتى تهدأ الكلمات، وتخفت الشكوى، وتسقط تلك القوة التي ظلت المرأة تتشبث بها طوال حديثها.
أسألها بهدوء:
“متى كانت آخر مرة اعتنيتِ فيها بقلبكِ كما تعتنين بكل من حولكِ؟”
يصمت المكان…
وللمرة الأولى، لا تجد جوابًا.
ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها نسيت أن هناك إنسانةً كانت تنتظرها طوال هذه السنوات…
هي نفسها.
كثير من النساء يعشن وهن يعتقدن أن الحب يعني أن يحملن كل شيء، وأن البر يعني أن يقدمن الجميع على أنفسهن، وأن نجاحهن في الحياة يقاس بقدر ما يضحين، لا بقدر ما يحافظن على سلامهن الداخلي.
ومع مرور الأيام، يتحول العطاء من نبعٍ يروي إلى إناءٍ يُستنزف قطرةً بعد قطرة، حتى لا يبقى فيه ما يفيض على أحد.
في الإرشاد الأسري نتحدث عن مفهوم عميق في علم النفس الأسري يُسمى التمايز النفسي (Differentiation of Self)، وهو من المفاهيم التي أسس لها الطبيب النفسي الأمريكي موراي بوين. ويقصد به أن يحتفظ الإنسان بهويته واتزانه النفسي، حتى وهو يعيش وسط أكثر العلاقات قربًا وتعقيدًا؛ فلا يذوب في مشاعر الآخرين، ولا يجعل حياته رهينة لتقلباتهم، ولا يحمّل نفسه ما لم يُكلَّف به.
فليس كل حزنٍ يجب أن تعيشيه…
وليس كل مشكلةٍ مطالبة بحلها…
وليس كل إنسانٍ مسؤوليتكِ أن تغيّريه.
هناك فرق بين أن تكوني رحيمة، وأن تستنزفي نفسكِ.
وبين أن تحبي، وأن تذوبي.
وبين أن تُحسني، وأن تنسي حق نفسكِ عليكِ.
يقول الله تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
(البقرة: 286).
فإذا كان الله سبحانه لم يكلّفكِ إلا بما في وسعكِ، فلماذا تحملين نفسكِ ما هو خارج حدود قدرتكِ؟ ولماذا تشعرين بالذنب لأن الآخرين لم يتغيروا؟
لقد اعتدنا أن نربط الحب بالإصلاح، بينما الحقيقة أن الإنسان لا يتغير إلا عندما يختار هو التغيير.
وقد قال النبي ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.»
(رواه مسلم).
ولعل أول ما ينفعكِ هو أن تعودي إلى نفسكِ.
أن تمنحيها حقها من الراحة، والسكينة، والعبادة، والصحبة الطيبة، والكلمة اللطيفة التي طالما منحتِها للآخرين وحرمتِ نفسكِ منها.
تأملي الشمس…
إنها لا تطرق أبواب البيوت لتقنع الناس بالنور، ولا تدخل في جدال مع من أغلق نوافذه.
إنها تشرق فقط…
ومن فتح نافذته، دخل إليه الضوء.
وهكذا يكون الأثر الحقيقي.
لا يُفرض…
ولا يُنتزع…
بل يُلهم.
فلا تجعلي رسالتكِ في الحياة أن تغيّري الجميع، بل أن تكوني أنتِ النور الذي يدل على الطريق.
ولا تخجلي من وضع حدودٍ تحفظ قلبكِ؛ فالحدود ليست أنانية، بل حكمة. إنها إعلانٌ هادئ بأن لكِ حقًا في الراحة، وحقًا في الاحترام، وحقًا في ألا يُستنزف قلبكِ كل يوم.
تذكري دائمًا أن أقوى تأثير يتركه الإنسان ليس فيما يقوله، بل فيما يعيشه.
حين تكونين أكثر اتزانًا…
أكثر قربًا من الله…
أكثر سلامًا مع نفسكِ…
سيصل هذا السلام إلى من حولكِ دون أن تنطقي بكلمة.
فالعطاء الذي يخرج من نفسٍ مطمئنة يدوم، أما العطاء الذي يخرج من نفسٍ منهكة فلا يلبث أن يتحول إلى تعبٍ وعتاب.
عودي إلى نفسكِ…
لا هربًا من الناس، بل لتعودي إليهم بقلبٍ أكثر رحمة، وعقلٍ أكثر اتزانًا، وروحٍ أكثر امتلاءً بالله.
فالعالم لن ينتهي إن تأخرتِ عنه قليلًا…
لكن قلبكِ قد ينطفئ إن تأخرتِ عنه طويلًا.
احفظي النور الذي أودعه الله في داخلكِ…
فالنور لا يحتاج أن يرفع صوته كي يُرى…
يكفيه أن يبقى مضيئًا.
بقلم: أمينة محمد أحمد العسيري
أخصائية توجيه وإرشاد أسري
أسئلة شائعة
ما هو التمايز النفسي؟
القدرة على فصل احتياجاتك ومشاعرك عن احتياجات ومشاعر الآخرين، دون قطيعة بل بحدود صحية.
هل العناية بالذات أنانية؟
لا، بل ضرورة. لا يمكنك العطاء من كأس فارغ. رعايتك لنفسك تجعلك أقدر على رعاية غيرك.
كيف أبدأ العناية بنفسي دون شعور بالذنب؟
بتذكير نفسك أن صحتك النفسية والجسدية ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه نفسك ومن تحب.
⚡ حجز فوري
تحتاج من يسمعك الآن؟
مستشارون مصنّفون ومرخّصون يستقبلون الحجز الفوري — جلسة أونلاين خاصة خلال دقائق.
احجز استشارة فورية أو ابدأ باستشارة مجانية ←جاهزون لاستشارتك الآن
مستشارون مصنّفون ومرخّصون يستقبلون الحجز الفوري — اختر من يناسبك وابدأ خلال دقائق.
انطباعك عن محتوى المقال
شكرًا لك — رأيك يساعدنا على تحسين المحتوى.






التعليقات
اكتب بلا اسم وبلا حساب — سطر واحد يكفي.